Showing posts with label منقول للإفادة أ.د. محمد الحجار - أستاذ الأطفال والوراثة - جامعة المنصورة. Show all posts
Showing posts with label منقول للإفادة أ.د. محمد الحجار - أستاذ الأطفال والوراثة - جامعة المنصورة. Show all posts

Thursday, March 17, 2011

هل تورط - فعلاً - حسني مبارك في إغتيال السادات ؟ بقلم: حســـــن الجنـــــدي

شبكة اليوم الاخبارية ENN : هذا البحث وبحوث أخرى كتبت منذ سنوات ولكن لخوف الجميع من ظهور الحقيقة كاملة كان الصمت يخيم علينا، أعتقد أنه حان الوقت للبحث الجاد وراء شخصية (محمد حسني مبارك) وبحيادية تامة، مع العلم أن هذا البحث هو ملك للدكتور أشرف شاهين الباحث المصري في القانون الدولي بسويسرا، وقد قمت ببعض الإضافات وبعض التعديلات بحيث لا أغير من لب البحث، وإليكم البحث كاملاً. الشعب المصري الذي في يوم ما أطلق على السادات “بطل الحرب والسلام” لديه قناعة بأن مبارك لم يأمر باجراء تحقيقات حقيقية في جريمة اغتيال السادات لأن مبارك نفسه يقف وراء ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء. والسبب الحقيقي لتلفيق اتهامات ضد سعد الدين إبراهيم هو محاولاته فك ألغاز وطلاسم هذه الجريمة وشرع منذ 5 سنوات في تشكيل لجنة محايدة مستقلة لاجراء تحقيقات لمعرفة الفاعل الرئيسي فيها.

وكان مبارك منذ نحو أعوام قد غضب كثيراً بسبب قيام صحيفة الميدان وهى صحيفة محلية مستقلة بنشر صورة جثة السادات وكانت تلك هي أول مرة يرى فيها الرأي العام في مصر والعالم كله هذه الصورة التي كانت تعتبر سراً كبيراً لمدة 22 عام. هذا و قد أمر مبارك رئيس تحرير الميدان بفصل الصحفي المسئول عن نشر الصورة. هذا وقد صدرت أوامر عليا لكل الصحف سواء كانت حكومية أوغيرها بعدم نشر هذه الصورة مرة أخرى.



لدى مبارك أسباب وجيهة كثيرة لكي يحجب المعلومات الخاصة باغتيال السادات ويرفض اجراء تحقيقات حقيقية كاملة ونزيهة لكشف غموض هذه الجريمة. وكانت جريدة العربي الناصري قد نشرت في عددها الصادر بتاريخ 19-6-2005 تقريرا مبني على أقوال أحد الشهود مفاداة أن السادات كان ينوي طرد مبارك وتعيين غيره نائبا لرئيس الجمهورية. كان السادات قد أخبر مبارك بعزمه تعيين غيره في أواخر سبتمبر من عام 1981 بسبب قيام مبارك بعمل اتصالات في الجيش من وراء ظهر السادات مما جعل السادات يتوجس خيفة من مبارك ويشك في نواياه. وفي صباح يوم 6 أكتوبر من عام 1981 أي قبل ساعات من اغتيال السادات عين السادات الدكتور عبد القادر حاتم نائبا لرئيس الجمهورية بدلاً من حسني مبارك إلا أن القرار الخاص بذلك كان سيجهز ويوقع بعد الاستعراض العسكري. هذا وقد نشرت الجريدة المذكورة صورة للسادات وهو يصافح عبد القادر حاتم صباح 6 أكتوبر. وطبقا لتقارير أخرى غضب السادات بشدة عندما علم بأن مبارك كان يجري من خلف ظهره اتصالات مع العائلة المالكة السعودية التي كانت قد قطعت العلاقات معه بعد توقيعه معاهدة السلام مع اسرائيل. أما المؤسسة الدينية السعودية المتطرفة المرتبطة بالعائلة المالكة هناك فقد أحلت دم السادات لأنه عقد صلح وسلام مع “اليهود أعداء الله”. وقد رد السادات في تحدي بقوله "إن السعوديين كانوا رعاع ونحن الذين علمناهم التمدن”. أما العائلة المالكة في السعودية فقد قالت بأنها لن تتعامل مع مصر أبداً طالما ظل السادات في الحكم.

كان السادات قد اتخذ قرار مفاجئ وغير مفهوم في عام 1975 بتعيين الفريق حسنى مبارك قائد القوات الجوية نائباً لرئيس الجمهورية. وكانت التقارير قد أوضحت في ذلك الوقت أن زوجة السادات القوية السيدة جيهان هي التي توسطت لدى السادات لتعيين مبارك في هذا المنصب. زوجة السادات النصف بريطانية تمت بصلة قرابة لزوجة مبارك النصف بريطانية. وكان مبارك قد أطلق شائعات بعد ذلك مفادها أن حكومة الولايات المتحدة هي التي ضغطت على السادات لتعيين حسنى مبارك نائبا لرئيس الجمهورية. ويستغل مبارك هذه الإشاعة للترويج لإشاعة أخرى أطلقها هو أيضا تقول أن الأمريكان هم الذين أغتالوا السادات. ولكي يثبت مبارك أقدامه في منصبه الجديد الذي استكثره عليه الجميع الذين أذهلتهم مفاجأة تعيينه فيه قام بتعيين رجالة في المناصب الحساسة والهامة في الجيش والشرطة والمخابرات ومجلس الوزراء وغيرها. وكان العميد محمد عبد الحليم أبو غزالة مدير فرع المدفعية بالجيش الثاني الميداني واحد من أكثر من يثق فيهم مبارك بالجيش لأنه يمت له بصلة قرابة فضلاً عن أنهما من نفس دفعة الكلية الحربية لعام 1949 كما انهما أمضيا سوياً بالإتحاد السوفيتي عدة سنوات في بعثة تدريبية. ولذا فقد عينه مبارك بعد حوالي سنتين من توليه منصب نائب رئيس الجمهورية ملحقاً حربياً في واشنطن كخطوة أولى في خطة ترقية وتقدم وتصعيد مذهلة أعدها مبارك لقريبه أبو غزالة. إلا أنه بعد 3 سنوات أي في عام 1980 أصدر الفريق أحمد بدوي وزير الدفاع قراراً بتعيين أبو غزالة مديراً للمخابرات الحربية. ولما رأى مبارك أن قرار احمد بدوي يتعارض مع خطته التي أعدها لأبو غزالة اتصل مبارك بأبو غزالة و قال له "لا تنفذ أوامر أحمد بدوى واستمر في واشنطن". والجدير بالذكر أن مبارك عين أيضاً في واشنطن شقيق زوجته النصف بريطاني العميد طيار منير ثابت كمدير لمكتب مشتريات السلاح بالسفارة هناك. وكانت المباحث الفدرالية الأمريكية قد سربت لجريدة الواشنطن بوست بعد تولي مبارك الحكم معلومات مفادها أن منير ثابت يرتكب مخالفات مالية جسيمة بنقل الأسلحة الأمريكية التي تمولها الحكومة الأمريكية على سفن يمتلكها هو وصهره حسنى مبارك وشوقي يونس وغيرهم. وقد كفى مبارك على الخبر مجور ولم يأمر باجراء تحقيق واكتفى بكلام إنشائي.

وفي بداية عام 1981 عين حسنى مبارك أبو غزالة رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة. وفي 6 مارس أي بعد شهرين فقط مات الفريق أحمد بدوي الذي يبغضه مبارك و معه 13 من قيادات الجيش في حادث طائرة هليكوبتر. والغريب أن أبو غزالة لم يكن على متن هذه الطائرة إذ أن كبار ضباط الجيش وعلى رأسهم أبو غزالة بصفته رئيساً للأركان كانوا من المفروض أن يطيروا مع وزير الدفاع أحمد بدوي في زيارات ميدانية لوحدات الجيش في الصحراء الغربية إلا أن أبو غزالة تخلف في أخر لحظة بناء على أوامر من النائب حسنى مبارك. وهكذا أصبح أبو غزالة وزيراً للدفاع وقائدا عاماً للقوات المسلحة بعد أن كان منذ 4 سنوات فقط مجرد عميد ومدير لفرع المدفعية بالجيش الثاني. لقد قام مبارك بتصعيد أبو غزالة بقوة وسرعة تثير الشك والريبة متخطياً المئات في السلم القيادي ممن هم أقدم وأكفأ وأحق من أبو غزالة بهذه المناصب. كما أن هذا التصعيد المريب والأهداف المرجوة منة تؤكد بأن مبارك كان وراء اغتيال الفريق أحمد بدوي و من كانوا معه على متن الطائرة. وكوزيراً للدفاع وقائداً عاماً للقوات المسلحة عكف أبو غزالة على الإعداد للعرض العسكري الذي يجرى كل عام في 6 أكتوبر للاحتفال بنصر أكتوبر.

كان الموقف السياسي في مصر متأزم ومتوتر للغاية ويتجه في طريقه إلى الكارثة. كانت السعودية قد أعلنت الجهاد بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل في مارس من عام 1979. و قد ألقت العائلة المتطرفة الوهابية المالكة في السعودية التي تعارض السلام مع اليهود كمبدأ ثابت كل ثقلها المادي والسياسي وراء خطة تهدف إلى تحطيم السلام بين مصر وإسرائيل وإلى معاقبة السادات ليكون عبرة لأي حاكم عربي أو مسلم يفكر في المستقبل في عقد معاهدة صلح مع إسرائيل. كان ولى العهد السعودي فهد في زيارة له للولايات المتحدة عام 1980 قد طلب من شتراوس وزير خارجية أمريكا التخلص من السادات كشرط لإقدام السعودية على إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل. وبدورة كان النائب حسني مبارك يتصل بالأمريكان والإسرائيليين من وراء ظهر السادات حيث كان يؤكد لهم أن السادات لم يكن جادا في مسعاه نحو السلام و أن كل هدفه كان الحصول على سيناء ثم ينقلب على إسرائيل ويلغى معاهدة السلام معها. يذكر أن النائب حسنى مبارك كان قد عاد إلى القاهرة من زيارة له لواشنطن يوم 4 أكتوبر عام 1981 حيث استقبل هناك كرئيس للجمهورية. لقد قالت جيهان السادات أن السادات قال لها أنة شعر من زيارته الأخيرة لواشنطن في سبتمبر من عام 1981 بأن الأمريكان يريدون التخلص منه. والحكومة السعودية التي أصبح لها باع ونفوذ كبيرين في مصر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ودينيا بعد وفاة عبد الناصر استغلت تأثيرها واتصالاتها مع الجماعات الدينية والمؤسسة الصحفية ومع السياسيين والمسئولين في مصر الذين كانوا يقبضون بسخاء منها لشحن وتأليب الرأي العام في مصر ضد السلام وضد السادات نفسه بهدف زعزعة حكمه وقلب نظامه. في ذات الوقت كانت السعودية تقف وراء تكوين جبهة الصمود والتصدي أو ما يسمى بجبهة الرفض والتي كان أهم أهدافها محاربة السلام وإسقاط السادات. كما وقفت السعودية وراء قرار طرد مصر من جامعة الدول العربية. لقد أصبح السادات معزولاً تماماً عربياً وإسلامياً بعد أن عبأت السعودية الرأي العام في العالم الإسلامي والعربي ضد السلام وضد السادات شخصياً. في يوليو من عام 1981 أعلن ولى العهد الأمير فهد عن مبادرة سلام جديدة لتكون بديلا عن السلام المصري الإسرائيلي إلا أن كل من مصر وإسرائيل رفضت المبادرة السعودية. لقد شعر السعوديون بأن عليهم أن يفعلوا شيئا ما بسرعة قبل أن تغرى دول عربية أخرى لعقد صلح منفرد مع إسرائيل. كذلك كان السعوديون يخشون قيام السادات بزعزعة حكمهم مستغلا علاقاته الممتازة مع كل من إسرائيل وأمريكا. ولتخليص العرب والمسلمين بسرعة من "الكافر الخائن السادات" بدأت الجماعات الإسلامية في مصر الموالية للسعودية مثل الأخوان المسلمون والجهاد والجماعة الإسلامية والتي تعرف في مصر بالطابور الخامس السعودي تعد العدة للتحرك ضد السادات بعد أن أصدرت فتاوى تحل دمه لأنه "عقد صلح مع أعداء الله". ويجدر الإشارة هنا أن السعودية حاولت قتل عبد الناصر عدة مرات في الفترة مابين أواخر الخمسينات وبداية الستينات وكانت معظم المحاولات تستخدم فيها عناصر من الأخوان المسلمين وضباط متدينين من الجيش أشهرهم الرائد عصام خليل الذي دفع له الملك سعود شخصياً مليون جنية لكي يقتل عبد الناصر إلا أن عصام خليل سلم نفسه والنقود لناصر فعينه ناصر المسئول عن مشروع الصواريخ نكاية بالسعوديين. لذلك زادت حالة التوتر التي انتابت السادات وقام بناء على نصيحة نائبه حسني مبارك بإلقاء القبض على القيادات الدينية في مصر بما فيها القبطية وعلى رموز المعارضة. وهذا الإجراء لم يقلل من الخطر والتهديد لحياة السادات. كان وزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل قد قال أن مباحث أمن الدولة لديها شريط فيديو يصور تدريبات تجرى في الصحراء على ضرب النار تنفذها عناصر من الجماعات الإسلامية لاغتيال السادات في المنصة. كما قال النبوي إسماعيل بأنه كان لدى أجهزة الأمن معلومات مؤكدة بأن الجماعات الإسلامية تخطط لاغتيال السادات في أثناء الاستعراض يوم 6 أكتوبر. والسؤال هو لماذا لم يقبض أيضاً على هؤلاء الذين تم تصويرهم وتتبعهم وهم يتدربون على قتل رئيس الجمهورية؟.

في هذه الأيام المتوترة التي زادت فيها حدة الشك والريبة في الكل كيف يمكن لأحد لأن يقترب من السادات بدرجة كافية لقتله. في أثناء العرض العسكري يقوم بحماية السادات عدد كبير من الحراس المدربين أعلى تدريب في الولايات المتحدة في المحيط الأول للسادات الذي يبلغ نصف قطرة 15 متر ولا يمكن اختراقه وفي المحيط الثاني الخارجي يتولى حماية السادات قوات خاصة من الكوماندوز التابعة للحرس الجمهوري وفي المحيط الثالث قوات الأمن المركزي التي توفر الحماية لموكب الرئيس و تأمين الطرقات والأسطح وفي المحيط الرابع تتولى قوات الشرطة المدنية والشرطة العسكرية عمليات التأمين والحماية. وبالرغم من أن التأمين والحماية للسادات كانا صارمين ومكررين إلا أن الجناة تمكنوا مع ذلك من الاقتراب من السادات لمسافة تقل عن 15 متر وقتله. كان مبارك قد تمكن بحلول 6 أغسطس 1981 من وضع رجاله في معظم الوظائف الحساسة والهامة بالدولة تقريباً ومنهم وزير الدفاع ووزير الداخلية ومدير المخابرات العامة ومدير مباحث أمن الدولة ومدير المخابرات الحربية وغيرهم. تمكن الجناة من الاشتراك في العرض العسكري بالرغم أن معظمهم لم يكونوا أفراد في القوات المسلحة. كانت أجهزة الأمن قد منعت الملازم أول خالد الاسلامبولى من الاشتراك في الاستعراض العسكري في الثلاث سنوات السابقة لأسباب أمنية تتعلق بالأمن والمتمثلة في وجود شقيقه الأكبر في المعتقل لأنه عضو في الجماعة الإسلامية. وحتى لو فرض أن باستطاعتهم الاشتراك في الاستعراض فكيف سيتمكنون من المرور خلال نقاط التفتيش العشرة المقامة في الطريق المؤدى للاستعراض وهم يحملون ذخيرة حية وقنابل وابر ضرب النار؟ وكيف لهم أن يتغلبون على 150 فرد من حراس السادات الذين يعزلون تماما دائرة حول السادات يتعدى نصف قطرها 15 متر؟ وحيث أن الجناة قد تمكنوا فعلا من اجتياز كل هذه الدفاعات التي لا يمكن اختراقها بسهولة فان ذلك يؤكد بأنة حصلوا على مساعدة من شركاء لهم في أعلى المناصب بالدولة. ويمكن لنا أن نعرف شركاء الجناة المهمين بدراسة طبيعة المساعدات التي وفروها لهم لضمان اختراق الدفاعات المنيعة وقتل السادات:
1. قررت المخابرات الحربية فجأة في منتصف أغسطس رفع اسم الملازم أول خالد الاسلامبولي من قوائم الممنوعين من الاشتراك في الاستعراض العسكري لأسباب أمنية. لقد صدر قرار من مدير المخابرات الحربية باشتراك الاسلامبولى في الاستعراض. ومهمة خالد في الاستعراض كضابط في اللواء 333 مدفعية وكما تعود أن ينفذها قبل حرمانه من الاشتراك في الاستعراض قبل 3 سنوات هي الجلوس في كابينة شاحنة تجر مدفع ميداني بينما يجلس في صندوق الشاحنة 4 جنود من ذات اللواء.
2. بعد رفع اسم الاسلامبولى من قائمة الممنوعين قامت بعض العناصر التابعة للجماعة الإسلامية بالاتصال بالاسلامبولى لتبلغه بأنه قد وقع عليه الاختيار لتنفيذ "عملية استشهادية" قامت هذه العناصر بتقديم 4 رجال للاسلامبولى على أنهم من سيعاونوه في إتمام المهمة الموكلة له. والشركاء الأربعة أتموا الخدمة العسكرية كما أن أحدهم وهو حسين على كان قناصاً بالجيش وبطل الرماية به. الخطة كانت تتطلب أن يقوم الاسلامبولى بوضع شركاءه الجدد في صندوق الشاحنة بدلاً من الجنود الأصليين في يوم الاستعراض.
3. كان الجناة الأربعة يقومون بالفعل بالتدريب في الصحراء على اغتيال السادات في المنصة. والغريب أن هذه التدريبات كانت تتم تحت إشراف وحماية أجهزة الأمن بدليل ما أقر به النبوي إسماعيل بأن أجهزة الأمن كان لديها شريط فيديو يصور هذه التدريبات.
4. قبل الاستعراض بثلاثة أيام صرف الاسلامبولى الجنود الأربعة الذين كانوا من المفروض أن يشتركوا معه في الاستعراض بأن أعطى كل منهم أجازة لمدة 4 أيام ثم ادخل الجناة الأربعة الوحدة منتحلين صفة الجنود الأربعة الأصليين وظلوا هناك حتى يوم الاستعراض حيث اشتركوا في التدريبات النهائية للاستعراض.
5. كانت الذخيرة الحية وابر ضرب النار تنزع من الأسلحة التي كانت تصرف للمشاركين في الاستعراض. وكاجراء أمنى إضافي تم إقامة 10 نقاط تفتيش بواسطة الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية على طول الطريق المؤدي للاستعراض للتأكد من عدم وجود ابر ضرب النار وذخيرة حية. وبالرغم أن الشاحنة التابعة للجناة كانت محملة بالقنابل والذخيرة الحية وابر ضرب النار إلا أن الشاحنة تمكنت من المرور عبر كل نقاط التفتيش.
6. المقدم ممدوح أبو جبل الذي أمد الإسلامبولى ورفاقه بإبر ضرب النار والذخيرة والقنابل تبين بأنه ضابط بالمخابرات الحربية أي أن المخابرات هي التي أمدت الإسلامبولى بالأسلحة لقتل السادات ولهذا لم يحاكم أبو جبل وتوارى عن الأنظار.
7. بالنظر إلى الوضع الأمني المتردي في البلاد في ذلك الوقت فقد تقرر أن يرتدي كل من السادات ومبارك وأبو غزالة الدرع الواقي من الرصاص تحت زيهم العسكري التي كان السادات قد صممه بنفسه على الطراز النازي. فضلا عن ذلك فان حراس السادات البالغ عددهم 150 فرداً جعلوا من المستحيل على أي قاتل محتمل أن يقترب من السادات حتى محيط دائرة نصف قطرها 30 متر دون أن يقتل أو يقبض عليه. كما أن سور المنصة يوفر للسادات حماية ممتازة في حالة ما إذا تم إطلاق النار عليه. فإذا انبطح السادات خلف هذا السور فلا يمكن للجناة الذين يقفون على الناحية الأخرى من السور إصابة السادات لأن ارتفاع السور 180 سم وعرضة 80 سم. والأهم من ذلك كله كيف يضمن مبارك وأبو غزالة عدم إصابتهما وهما يجلسان على يمين ويسار السادات.

و للتغلب على كل هذه الصعاب حدث ما يلي:
1. تم صرف كل حراس السادات فجأة قبل وصول شاحنة الاسلامبولى ببضعة دقائق. لقد صدرت الأوامر لهؤلاء الحراس بالانتشار خلف المنصة وليس أمامها بزعم أن الارهابيين سيهجمون من الخلف.
2. بالرغم أن استعراض القوات الأرضية لم يكن قد انتهى إلا أن الاستعراض الجوى بدأ فجأة ولم يعرف المشاهدون أين ينظرون ولكن صريخ وضجيج الطائرات جذب انتباه الحضور إلى أعلى وذلك في نفس الوقت الذي قفز فيه الجناة الخمسة من الشاحنة لقتل السادات. لقد تم ضبط بدأ الاستعراض الجوى مع وصول شاحنة الاسلامبولى أمام المنصة الرئيسية.
3. طلب كل من مبارك وأبو غزالة من السادات الوقوف لرد التحية العسكرية للضابط الذي نزل لتوه من شاحنة المدفعية وبينما وقف السادات حدثت 3 أو 4 أشياء في ذات الوقت وهي:
- الضابط الذي كان يتقدم نحو المنصة لتحية السادات عاد فجأة مسرعا إلى الشاحنة ليحضر بندقيته الألية و قنابل يدوية.
- قام القناص وبطل الرماية الجالس في صندوق الشاحنة باطلاق النار على رقبة السادات لمعرفته مسبقا أن السادات يرتدى الدرع الواقي.
- كل من مبارك وأبو غزالة انبطح أرضا بسرعة وزحفا بعيداُ عن السادات الذي كان قد سقط لتوه على الأرض.
- وبمناظرة صورة جثمان السادات الذي أحتفظ بها سرا فترة تناهز 22 عاما وتم تسريبها بمعرفة بعض عناصر المخابرات التي انقلبت على حسنى مبارك فيمكن القول بأن السادات سقط على ظهره بعد الطلقات الأولى التي أصابته في رقبته وصدره الأمر الذي يثبته وجود أثار طلقات على الجزء السفلى من بطنه والتي أطلقها علية خالد الاسلامبولى أثناء وقوفه على المقعد الذي وضع خلف سور المنصة أمام السادات. ولكن ماذا عن آثار الطلقات الموجودة على جانبي السادات وهي أثار لطلقات ذو عيار صغير أطلقت من مسدس أو أكثر لم يكن موجود مع الجناة الذين كانوا يحملون كلاشينكوف عيار7.62 مم.

إن وجود مثل هذه الأدلة يفسر سر إخفاء صورة جثمان السادات ومعلومات أخرى طوال هذه الفترة إذ أن التفسير الوحيد لوجود أثار طلقات لعيار صغير على جانبي السادات يؤكد أن مبارك وأبو غزالة أطلقا النار على السادات من مسدس صغير كان كل منهما يخفيه في طيات ملابسه أثناء وجود السادات على الأرض بجوارهما وذلك للتأكد من موته. لقد ترك أحدهم مقعد في الجانب الآخر من سور المنصة المواجه للسادات والذي وقف عليه خالد الاسلامبولى ومكنة من توجيه دفعة من بندقيته الألية أصابت السادات في بطنه. بالرغم أن الجناة بدوا وكأنهم يطلقون النيران بدون تمييز على الجميع إلا أنهم طالبوا كل من مبارك وأبو غزالة بالابتعاد عن مرمى نيرانهم إذ قال عبد الحميد عبد العال لحسنى مبارك: "أنا مش عايزك.. احنا عايزين فرعون". وقال خالد الاسلامبولى لأبو غزالة وهو يشيح له بيده: "ابعد". ألا يبدو ذلك التصرف غريباً على الجماعات الإسلامية التي تكفر ليس فقط الحاكم المسلم الذي لا يطبق الشريعة الإسلامية و لكن أيضا رموز نظامه الذين يتعين قتلهم أيضاً ،وإذا كانوا يريدون السادات فقط فلماذا قتلوا 7 آخرين؟.

وعن الحيل الخداعية الأخرى التي استخدمت في الاستعراض فقد تضمنت تعطل ثلاثة مركبات أمام المنصة بعد بداية الاستعراض ب 10 دقائق و 15 دقيقة و 20 دقيقة تباعا. وعندما توقفت الشاحنة التي تحمل الجناة أمام المنصة افترض الذين لم يكونوا ينظرون إلى السماء لمشاهدة العرض الجوى أن الشاحنة تعطلت هي الأخرى. لو لم يكن مبارك متورطا في مؤامرة اغتيال السادات لكان قد اتخذ على الأقل الحد من الإجراءات الواجب إتخاذها في مثل هذه المواقف مثل:

1. إقالة ومحاكمة محمد عبد الحليم أبو غزالة لأنة المسئول كوزير للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة عن مقتل السادات أثناء العرض العسكري.
2. شكل لجنة محايدة ومستقلة لتجرى تحقيقات شاملة في مؤامرة قتل رئيس الجمهورية.

مبارك فعل العكس تماما. لقد قام بترقية أبو غزالة لرتبة المشير ولنائب رئيس مجلس الوزراء كما لو كان يكافؤه على مقتل السادات. أفرج مبارك عن مرشد الأخوان وزعماء الجماعات الدينية والإسلاميين المتطرفين الذين كان السادات قد قبض عليهم قبل وفاته بشهر و كأنة يكافؤهم لقتل السادات. منع مبارك أي تحقيقات مستقلة كما أنه حجب معلومات هامة في قضية قتل السادات وأخفي أو دمر أدلة ومستندات مؤثرة فيها. ومن أهم الأدلة و الإثباتات التي أخفاها أو دمرها مبارك هو الفيلم الذي صوره التلفزيون المصري للاستعراض والذي يبين كل من مبارك وأبو غزالة وهما يشيران للسادات للوقوف لتحية الضابط (خالد الاسلامبولى)الذي نزل من الشاحنة ويتقدم من المنصة. كما أنه يصور السادات وهو يهم بالوقوف بينما يغوص كل من مبارك وأبو غزالة خلف سور المنصة.

هذا ويوجد دليل آخر لا يقل أهمية وهو الفيديو الخاص بالتدريبات التي كان ينفذها في الصحراء 4 من قتلة السادات وآخرين وهي تدريبات على قتل السادات في المنصة والتي جرت قبل حوالي شهر من الاستعراض العسكري. كان وزير الداخلية في ذلك الوقت النبوي إسماعيل قد قال في عدة أحاديث صحفية أن هذا الشريط كان تحت يد المباحث. كما أفاد النبوي إسماعيل أن 4 من قتلة السادات كانوا تحت مراقبة المباحث لمدة 15 يوم قبل اغتيال السادات. إن من وضع خطة اغتيال السادات لابد وأن كان مخطط عسكري متمكن لأنة أعد ونفذ الخطة كما لو كانت مناورة عسكرية كاملة استخدم فيها القوات الجوية والأرضية مع القوات الخاصة. لم يترك هذا المخطط شيئاً للمصادفة أو الخطأ بل أنه أخذ في اعتباره أدق التفاصيل وتأكد من تفهم كل مشارك لدورة والتدريب عليه على أكمل وجه. ولابد انهم قد استخدموا في تدريباتهم في الصحراء ماكيت للمنصة. ولم يهمل المخطط لعملية اغتيال السادات الإجراءات الواجب اتخاذها فور مقتل السادات. لذلك، فان أول شيء فعلته الشرطة وسلطات الأمن فور توقف إطلاق الرصاص على السادات هو مصادرة وإعدام الأفلام من المصورين ومندوبين وكالات الأنباء. ومعنى ذلك أن عملية إخفاء وتدمير الأدلة في هذه القضية بدأت مبكرا. ومما ساهم في نقص وجود أفلام تبين عملية قتل السادات بالتفصيل هو قيام المخطط لاغتيال السادات بضبط توقيت العرض الجوى مع وصول شاحنة القتلة أمام المنصة. إن الصوت المرعب المرعد المصد للآذان الذي أحدثه تشكيل كبير من الطائرات الميراج الذي ظهر فجأة من خلف المنصة على ارتفاع منخفض جداً أصاب كل الموجودين بالفزع والرهبة وأجبرهم بما فيهم المصورين والصحفيين ومندوبين وكالات الأنباء على النظر إلى أعلى. إلا أن كاميرا واحدة ظلت مركزة على السادات وهي الكاميرا التابعة للتلفزيون المصري. هناك أوامر ثابتة في المناسبات القومية التي يحضرها الرئيس وهي أن تخصص كاميرا تليفزيون للرئيس فقط تلتقط له كل شيء تحذف منها بعد ذلك بعض المشاهد التي لا تعجب الرئيس أو من ينوب عنه. في يوم الاستعراض التقطت كاميرا الرئيس كل شيء بما في ذلك نهوض السادات من مقعده وسقوط كل من مبارك وأبو غزالة من مقعده. وبالرغم أن هذا الفيلم مفقود إلا أن الكثيرين شاهدوه. والواقع أنه يوجد ما يكفي من أدلة في هذه القضية لتحريك الدعوى الجنائية ضد مبارك وأبو غزالة وعشرات من المشتركين معهم في ارتكاب جريمة القرن العشرين في مصر. لقد اعترف مبارك ضمنا بقتل السادات في عام 1984 في معرض رده على سؤال في مؤتمر صحفي محلى عن سبب عدم تعيينه لنائب لرئيس الجمهورية عندما قال بالحرف الواحد: "والله أنا ما ورثتهاش عشان أورثها". ومعنى هذا الكلام أن مبارك أصبح رئيسا للجمهورية لأنه انتزع الحكم من السادات بالقوة وليس بتنازل السادات مثلا له عن الحكم أو باعتلاءه سدة الحكم نتيجة موت السادات ميتة طبيعية وليست بالقتل. بالرغم من أنه يوجد مئات الأسئلة التي ليس لها إجابة حتى الآن إلا أننا نسأل هذين السؤالين:

س. لماذا ذهب مبارك إلى منزلة للاغتسال وتغيير ملابسة أثناء نقل السادات إلى المستشفي؟

س. هل فعل ذلك للتخلص من المسدس الذي أطلق منة عيارات في جانب السادات أثناء الهرج و المرج؟

س. إذا كانت قوات الأمن كما أقر وزير الداخلية الأسبق تتبع 4 من قتلة السادات لمدة أسبوعين قبل مقتل السادات فلماذا لم تقبض عليهم؟

أنور السادات كان زعيما عالميا كبيرا ولذا لا يجوز أن يمر حادث إغتياله دون تحقيق أو عقاب..


حسن الجندي
منقـــــــول للإفادة
أرى ضرورة قرأة مقال أسرار من حياة مبارك كما كتبها كاتب أمريكي.. لتصحيح فكرة المؤامرة

Friday, October 15, 2010

حكاية في الأمانة

قال ابن جرير الطبرى: كنت في مكة في موسم الحج فرأيت رجلا من خرسان ينادي ويقول: يا معشر الحجاج، يا أهل مكة من الحاضر والبادي، فقدت كيسا فيه ألف دينار، فمن رده إلى جزاه الله خيرا وأعتقه من النار، وله الأجر والثواب يوم الحساب. فقام إليه شيخ كبير من أهل مكة فقال له: يا خرساني بلدنا حالتها شديدة، وأيام الحج معدودة، ومواسمه محدودة، وأبواب الكسب مسدودة، فلعل هذا المال يقع في يد مؤمن فقير وشيخ كبير، يطمع في عهد عليك، لو رد المال إليك، تمنحه شيئا شيئا يسيرا، ومالا حلالا. قال الخرساني : فما مقدار حلوانه ؟ كم يريد؟ قال الشيخ الكبير: يريد العشر مائة دينار عشر الألف، فلم يرض الخرسانى وقال: لا أفعل ولكنى أفوض أمره إلى الله، وأشكوه إليه يوم نلقاه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

قال ابن جرير الطبرى: فوقع في نفسي أن الشيخ الكبير رجل فقير، وقد وجد كيس الدنانير ويطمع في جزء يسير، فتبعته حتى عاد إلى منزله، فكان كما ظننت، سمعته ينادى على امرأته ويقول: يا لبابة، فقالت له: لبيك أبا غياث. قال: وجدت صاحب الدنانير ينادي عليه، ولا يريد أن يجعل لواجده شيئا، فقلت له: أعطنا منه مائة دينار، فأبى وفوض أمره إلى الله، ماذا أفعل يا لبابة؟ لا بد لى من رده، إنى أخاف ربى، أخاف أن يضاعف ذنبي. فقالت له زوجته: يا رجل نحن نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمي، وأنت تاسعنا، لا شاة لنا ولا مرعى، خذ المال كله، أشبعنا منه فإننا جوعي، واكسنا به فأنت بحالنا أوعى، ولعل الله عز وجل يغنيك بعد ذلك، فتعطيه المال بعد إطعامك لعيالك، أو يقضي الله دينك يوم يكون الملك للمالك. فقال لها يا لبابة: أآكل حراما بعد ست وثمانين عاما بلغها عمري، وأحرق أحشائي بالنار بعد أن صبرت على فقرى، وأستوجب غضب الجبار، وأنا قريب من قبرى، لا والله لا أفعل.

قال ابن جرير الطبري: فانصرفت وأنا في عجب من أمره هو وزوجته، فلما أصبحنا في ساعة من ساعات من النهار، سمعت صاحب الدنانير ينادى يقول: يا أهل مكة، يا معاشر الحجاج، يا وفد الله من الحاضر والبادي، من وجد كيسا فيه ألف دينار، فليرده إلى وله الأجر والثواب عند الله. فقام إليه الشيخ الكبير، وقال: يا خرساني قد قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله قليلة الزرع والضرع، فجد على من وجد المال بشئ حتى لا يخالف الشرع، وقد قلت لك أن تدفع لمن وجده مائة دينار فأبيت، فإن وقع مالك في يد رجل يخاف الله عز وجل، فهلا أعطيتهم عشرة دنانير فقط بدلا من مائة، يكون لهم فها ستر وصيانة، وكفاف وأمانة، فقال له الخرساني: لا أفعل، وأحتسب مالي عند الله، وأشكوه إليه يوم نلقاه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

قال ابن جرير الطبري: ثم افترق الناس وذهبوا، فلما أصبحنا في ساعة من ساعات من النهار، سمعت صاحب الدنانير ينادي ذلك النداء بعينه ويقول: يا معاشر الحجاج، يا وفد الله من الحاضر والبادي، من وجد كيسا فيه ألف دينار فرده على له الأجر والثواب عند الله. فقام إليه الشيخ الكبير فقال له: يا خرساني، قلت لك أول أمس امنح من وجده مائة دينار فأبيت، ثم عشرة فأبيت، فهلا منحت من وجده دينارا واحدا، يشتري بنصفه إربة يطلبها، وبالنصف الأخر شاة يحلبها، فيسقى الناس ويكتسب، ويطعم أولاده ويحتسب. قال الخرسانى: لا أفعل ولكن أحيله على الله وأشكوه لربه يوم نلقاه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فجذبه الشيخ الكبير، وقال له: تعال يا هذا وخذ دنانيرك ودعني أنام الليل، فلم يهنأ لي بال منذ أن وجدت هذا المال.

يقول ابن جرير: فذهب مع صاحب الدنانير، وتبعتهما، حتى دخل الشيخ منزله، فنبش الأرض وأخرج الدنانير وقال: خذ مالك، وأسأل الله أن يعفوي عنى، ويرزقني من فضله. فأخذها الخرسانى وأراد الخروج، فلما بلغ باب الدار، قال: يا شيخ مات أبي رحمه الله وترك لى ثلاثة آلاف دينار، وقال لي: أخرج ثلثها ففرقه على أحق الناس عندك ، فربطتها في هذا الكيس حتى أنفقه على من يستحق، والله ما رأيت منذ خرجت من خرسان إلى ههنا رجلا أولى بها منك، فخذه بارك الله لك فيه، وجزاك خيرا على أمانتك، وصبرك على فقرك، ثم ذهب وترك المال. فقام الشيخ الكبير يبكى ويدعو الله ويقول: رحم الله صاحب المال في قبره، وبارك الله في ولده.

قال ابن جرير: فوليت خلف الخراساني فلحقني أبو غياث وردني، فقال لي إجلس فقد رأيتك تتبعني في أول يوم وعرفت خبرنا بالأمس واليوم، سمعت أحمد بن يونس اليربوعي يقول: سمعت مالكا يقول: سمعت نافعا يقول: عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعمر وعلي رضي الله عنهما، إذا أتاكما الله بهدية بلا مسألة ولا استشراف نفس، فاقبلاها ولا ترداها، فترداها على الله عز وجل، وهذه هدية من الله والهدية لمن حضر. ثم قال: يا لبابة، يا فلانة، يا فلانة، وصاح ببناته والأختين وزوجته وأمها، وقعد وأقعدني، فصرنا عشرة، فحل الكيس وقال: أبسطوا حجوركم فبسطت حجري، وما كان لهن قميص له حجر يبسطونه، فمدوا أيديهم، وأقبل يعد دينارا دينارا، حتى إذا بلغ العاشر إلي، قال: ولك دينار، حتى فرغ من الكيس، وكان فيه ألف دينار، فأعطانى مائة دينار.

يقول ابن جرير الطبرى: فدخل قلبي من سرور غناهم أشد من فرحى بالمائة دينار، فلما أردت الخروج قال لي: يا فتى إنك لمبارك، وما رأيت هذا المال قط ولا أملته، وإني لأنصحك أنه حلال فاحتفظ به، واعلم أني كنت أقوم فأصلي الفجر في هذا القميص البالى، ثم أخلعه حتى تصلى بناتي واحدة واحدة، ثم أخرج للعمل إلى ما بين الظهر والعصر، ثم أعود في آخر النهار بما فتح الله عز وجل على من تمر وكسيرات خبز، ثم أخلع ثيابى لبناتى فيصلين فيه الظهر والعصر، وهكذا فى المغرب والعشاء الآخرة، وما كنا نتصور أن نرى هذه الدنانير، فنفعهن الله بما أخذن، ونفعني وإياك بما أخذنا، ورحم صاحب المال في قبره، وأضعف الثواب لولده، وشكر الله له.

قال ابن جرير: فودعته، وأخذت مائة دينار، كتبت العلم بها سنتين، أتقوت بها وأشتري منها الورق وأسافر وأعطي الأجرة، وبعد ستة عشر عاما ذهبت إلى مكة، وسألت عن الشيخ، فقيل إنه مات بعد ذلك بشهور، وماتت زوجته وأمها والأختان، ولم يبق إلا البنات، فسألت عنهن فوجدتهن قد تزوجن بملوك وأمراء، وذلك لما انتشر خبر صلاح والدهن فى الآفاق، فكنت أنزل على أزواجهن، فيأنسون بي ويكرموني حتى توفاهن الله، فبارك الله لهم فيما صاروا إليه.

يقول تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (الطلاق 2-3)

Friday, January 15, 2010

لا تحزن للشيخ عائض القرني

يــا الله
{ يسأله من في السموات والارض كل يوم هو في شأن } : إذا اضطرب البحر وهاج الموج وهبت الريح العاصف، نادى أصحاب السفينة: يا الله.
إذا ضل الحادي في الصحراء ومال الركب عن الطريق وحارت القافلة في السير، نادوا: يا الله.
إذا وقعت المصيبة وحلت النكبة وجثمت الكارثة، نادى المصاب المنكوب: يا الله.
إذا أوصدت الأبواب أمام الطلاب، وأسدلت الستور في وجوه السائلين، صاحوا : يا الله.
إذا بارت الحيل وضاقت السبل وانتهت الامال وتقطعت الحبال، نادوا : يا الله.
إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت وضاقت عليك نفسك بما حملت، فاهتفت: يا الله.
إليه يصعد الكلم الطيب، والدعاء الخالص، والهاتف الصادق، والدمع البريء، والتفجع الواله.
إليه تمد الأكف في الأسحار، والأيادي في الحاجات، والأعين في الملقات، والأسئلة في الحوادث.
باسمه تشدو الألسن وتستغيث وتلهج وتنادي، وبذكره تطمئن القلوب وتسكن الأرواح، وتهدأ المشاعر وتبرد الأعصاب، ويثوب الرشد، ويستقر اليقين، {الله لطيف بعباده}
الله:
أحسن الأسماء وأجمل الحروف، وأصدق العبارات وأثمن الكلمات، {هل تعلم له سميا}
الله:
فإذا الغنى والبقاء، والقوة والنصرة، والعز والقدرة والحكمة {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}
ا لله :
فإذا اللطف والعناية ، والغوث والمدد ، والود والإحسان ، { ومابكم من نعمة فمن لله }
الله:
الجلال والعظمة، والهيبة والجبروت.
اللهم فاجعل مكان اللوعة سلوة، وجزاء الحزن سرورا، وعند الخوف أمنا.
اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين، وأطفىء جمر الأرواح بماء الإيمان.
يا رب، ألق على العيون الساهرة نعاسة امنة منك، وعلى النفوس المضطربة سكينة، وأثبها فتحا قريبا.
يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك، وضلال المناهج إلى صراطك، والزائغين عن السبيل إلى هداك.
اللهم أزل الوساوس بفجر صادق من النور، وأزهق باطل الضمائر بفيلق من الحق، ورد كيد الشيطان بمدد من جنود عونك مسومين. اللهم أذهب عنا الحزن، وأزل عنا الهم، واطرد من نفوسنا القلق.
نعوذ بك من الخوف إلا منك، والركون إلا إليك، والتوكل إلا عليك، والسؤال إلا منك، والاستعانة إلا بك، أنت ولينا، نعم المولى ونعم النصير.
فكر واشكر
المعنى أن تذكر نعم الله عليك فإذا هي تغمرك من فوقك ومن تحت قدميك {وان تعدوا نعم الله لا تحصوها} صحة في بدن، أمن في وطن، غذاء وكساء، وهواء وماء، لديك الدنيا وأنت ما تشعر، تملك الحياة وأنت لا تعلم {واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } عندك عينان، ولسان وشففان، ويدان ورجلان {فبأي الاء ربكما تكذبان} هل هي مسئلة سهلة أن تمشي على قدميك، وقد بترت أقدام؟! وأن تعتمد على ساقيك، وقد قطعت سوق؟! أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير؟! وأن تملأ معدتك من الطعام الشهي وأن تكرع من الماء البارد وهناك من عكر عليه الطعام، ونغص عليه الشراب بأمراض وأسقام؟! تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم، وتأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، وانظرإلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، والمح عقلك وقد أنعم عليك بحضوره ولم تفجع بالجنون والذهول.
أتريد في بصرك وحده كجبل أحد ذهبا؟! أتحب بيع سمعك وزن ثهلان فضة؟! هل تشتري قصور الزهراء بلسانك فتكون أبكم؟! هل تقايض بيديك مقابل عقود اللؤلؤ والياقوت لتكون أقطع؟! إنك في نعم عميمة وأفضال جسيمة، ولكنك لا تدري، تعيش مهموما مغموما حزينا كئيب! وعندك الخبز الدافىء، والماء البارد، والنوم الهانىء، والعافية الوارفة، تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود، تنزعج من خسارة مالية وعندك مفتاح السعادة، ومن اطير مقنطرة من الخير والمواهب والنعم والأشياء، فكر واشكر { وفي انفسكم افلا تبصرون} فكر في نفسك، وأهلك، وبيتك، وعملك، وعافيتك، وأصدقائك، والدنيا من حولك {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها}
ما مضى فات
تذكر الماضي والتفاعل معه واستحضاره، والحزن لمافيه حمق وجنون، وقتل للإرادة وتبديد للحياة الحاضرة. ان ملف الماضي عند العقلاء يطوى ولا يروى، يغلق عليه أبدا في زنزانة النسيان، يقيد بحبال قوية في سجن الإهمال فلا يخرج أبدا، ويوصد عليه فلا يرى النور، لأنه مضى وانتهى، لا الحزن يعيده، لا الهم يصلحه، لا الغم يصححه، لا الكدر يحييه، لأنه عدم، لا تعش في كابوس الماضي وتحت مظلة الفائت، أنقذ نفسك من شبح الماضي، أتريد أن ترد النهر إلى مصبه، والشمس إلى مطلعها، والطفل إلى بطن أمه، واللبن إلى الثدي، والدمعة إلى العين، إن تفاعلك مع الماضي، وقلقك منه واحتراقك بناره، وانطراحك على أعتابه وضع مأساوي رهيب مخيف مفزع.
القراءة في دفتر الماضي ضياع للحاضر، وتمزيق للجهد، ونسف للساعة الراهنة، ذكر الله الأمم وما فعلت ثم قال: {تلك امة قد خلت} انتهى الأمر وقضي، ولا طائل من تشريح جثة الزمان، وإعادة عجلة التاريخ.
إن الذي يعود للماضي، كالذي يطحن الطحين وهو مطحون أصلا، وكالذي ينشر نشارة الخشب. وقديما قالوا لمن يبكي على الماضي: لا تخرج الأموات من قبورهم، وقد ذكر من يتحدث على ألسنة البهائم أنهم قالوا للحمار لم لا تجتر؟ قال: أكره الكذب.
إن بلاءنا أننا نعجز عن حاضرنا ونشتغل بماضينا، نهمل قصورنا الجميلة، ونندب الأطلال البالية، ولئن اجتمعت الإنس والجن على إعادة ما مضى لما استطاعوا لأن هذا هو المحال بعينه.
إن الناس لا ينظرون إلى الوراء ولا يلتفتون إلى الخلف، لأن الريح تتجه إلى الأمام والماء ينحدر إلى الأمام والقافلة تسير إلى الأمام، فلا تخالف سنة الحياة.
يومك يومك
إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، اليوم فحسب ستعيش، فلا أمس الذي ذهب بخيره وشره، ولا الغد الذي لم يات إلى الان. اليوم الذي أظلتك شمسه، وأدركك نهاره هو يومك فحسب، عمرك يوم واحد، فاجعل في خلدك العيش لهذا اليوم وكأنك ولدت فيه وتموت فيه حينها لا تتعثر حياتك بين هاجس الماضي وهمه وغمه، وبين توقع المستقبل وشبحه المخيف وزحفه المرعب، لليوم فقط اصرف تركيزك واهتمامك وإبداعك وكدك وجدك، فلهذا اليوم لابد أن تقدم صلاة خاشعة وتلاوة بتدبر واطلاعا بتأمل، وذكرا بحضور، واتزانا في الأمور، وحسنا في خلق، ورضا بالمقسوم، واهتماما بالمظهر، واعتناء بالجسم، ونفعا للاخرين.
لليوم هذا الذي أنت فيه فتقسم ساعاته وتجعل من دقائقه سنوات، ومن ثوانيه شهور، تزرع فيه الخير، تسدي فيه الجميل، تستغفر فيه من الذنب، تذكر فيه الرب، تتهيا للرحيل، تعيش هذا اليوم فرحا وسرورا، وأمنا وسكينة، ترضى فيه برزقك، بزوجتك، بأطفالك بوظيفتك، ببيتك، بعلمك، بمستواك {فخذ ما اتيتك وكن من الشاكرين} تعيش هذا اليوم بلا حزن ولا انزعاج، ولا سخط ولا حقد، ولا حسد. إن عليك أن تكتب على لوح قلبك عبارة واحدة تجعلها أيضا على مكتبك تقول العبارة: (يومك يومك). إذا أكلت خبزا حارا شهيا هذا اليوم فهل يضرك خبز الأمس الجاف الرديء، أو خبز غد الغائب المنتظر.
إذا شربت ماء عذبا زلالا هذا اليوم، فلماذا تحزن من ماء أمس الملح الأجاج، أو تهتم لماء غدا الاسن الحار.
إنك لو صدقت مع نفسك بإرادة فولاذية صارمة عارمة لأخضعتها لنظرية: لن أعيش إلى هذا اليوم. حينها تستغل كل لحظة في هذا اليوم في بناء كيانك وتنمية مواهبك، وتزكية عملك، فتقول: لليوم فقط أهذب ألفاظي فلا أنطق هجرا أو فحشا، أو سبا، أو غيبة، لليوم فقط سوف أرتب بيتي ومكتبتي، فلا ارتباك ولا بعثرة، وإنما نظام ورتابة. لليوم فقط سوف أعيش فأعتني بنظافة جسمي، وتحسين مظهري والاهتمام بهندامي، والاتزان في مشيتي وكلامي وحركاتي.
لليوم فقط سأعيش فأجتهد في طاعة ربي، وتأدية صلاتي على أكمل وجه، والتزود بالنوافل، وتعاهد مصحفي، والنظر في كتبي، وحفظ فائدة، ومطالعة كتاب نافع.
لليوم فقط سأعيش فأغرس في قلبي الفضيلة وأجتث منه شجرة الشر بغصونها الشائكة من كبر وعجب ورياء وحسد وحقد وغل وسوء ظن لليوم فقط سوف أعيش فأنفع الاخرين، وأسدي الجميل إلى الغير، أعود مريضا، أشيع جنازة، أدل حيران، أطعم جائعا، أفرج عن مكروب، أقف مع مظلوم، أشفع لضعيف، أواسي منكوبا، اكرم عالما، أرحم صغيرا، أجل كبيرا.
لليوم فقط سأعيش فيا ماض ذهب وانتهى اغرب كشمسك، فلن أبكي عليك ولن تراني أقف لأتذكرك لحظة، لأنك تركتنا وهجرتنا وارتحلت عنا ولن تعود إلينا أبد الابدين.
ويا مستقبل أنت في عالم الغيب فلن أتعامل مع الأحلام، ولن أبيع نفسي مع الأوهام ولن أتعجل ميلاد مفقود، لأن غدا لا شيء لأنه لم يخلق ولأنه لم يكن مذكورا.
يومك يومك أيها الإنسان أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهى صورها وأجمل حللها.
اترك المستقبل حتى يأتي
{اتى امر الله فلا تستعجلوه} لا تستبق الأحداث، أتريد إجهاض الحمل قبل تمامه، وقطف الثمرة قبل النضج، إن غدا مفقود لا حقيقة له، ليس له وجود، ولاطعم، ولا لون، فلماذا نشغل أنفسنا به، ونتوجس من مصائبه، ونهتم لحوادثه، نتوقع كوارثه، ولا ندري هل يحال بيننا وبينه، أو نلقاه، فإذا هو سرور وحبور، المهم أنه في عالم الغيب لم يصل إلى الأرض بعد، إن علينا أن لا نعبر جسراحتى نأتيه، ومن يدري؟ لعلنا نقف قبل وصول الجسر، أو لعل الجسر ينهار قبل وصولنا، وربما وصلنا الجسر ومررنا عليه بسلام.
إن إعطاء الذهن مساحة أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة ممقوت شرعا، لأنه طول أمل، ومذموم عقلاً، لأنه مصارعة للظل. إن كثيرا من هذا العالم يتوقع في مستقبله الجوع العري والمرض والفقر والمصائب، وهذا كله من مقررات مدارس الشيطان {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} كثير هم الذين يبكون، لأنهم سوف يجوعون غدا، وسوف يمرضون بعد سنة، وسوف ينتهي العالم بعد مائة عام. إن الذي عمره في يد غيره لا ينبغي له أن يراهن على العدم، والذي لا يدري متى يموت لا يجوز له الاشتغال بشيء مفقود لا حقيقة له.
اترك غدا حتى يأتيك، لا تسأل عن أخباره، لا تنتظر زحوفه، لأنك مشغول باليوم.
وان تعجب فعجب هؤلاء يقترضون الهم نقدا ليقضوه نسيئة في يوم لم تشرق شمسه ولم ير النور، فحذار من طول الأمل.
كيف تواجه النقد الآثم
الرقعاء السخفاء سبوا الخالق الرازق جل في علاه، وشتموا الواحد الأحد لا إله إلا هو، فماذا أتوقع أنا وأنت ونحن أهل الحيف والخطأ، إنك سوف تواجه في حياتك حربا! ضروسا لا هوادة فيها من النقد الآثم المر، ومن التحطيم المدروس المقصود، ومن الإهانة المتعمدة مادام أنك تعطي وتبني وتؤثر وتسطع وتلمع، ولن يسكت هؤلاء عنك حتى تتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتفر من هؤلاء، أما وأنت بين أظهرهم فانتظر منهم ما يسوؤك ويبكي عينك، ويدمي مقلتك، ويقض مضجعك.
إن الجالس على الأرض لا يسقط، والناس لا يرفسون كلبا ميتا، لكنهم يغضبون عليك لأنك فقتهم صلاحا، أو علما، أو أدبا، أو مالاً، فأنت عندهم مذنب لا توبة لك حتى تترك مواهبك ونعم الله عليك، وتنخلع من كل صفات الحمد، وتنسلخ من كل معاني النبل، وتبقى بليدا غبيا صفرا محطما، مكدودا، هذا ما يريدون بالضبط.
اذا فاصمد لكلام هؤلاء ونقدهم وتشويههم وتحقيرهم "أثبت أحد" وكن كالصخرة الصامتة المهيبة تتكسر عليها حبات البرد لتثبت وجودها وقدرتها على البقاء. إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت به حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك، إلا فاصفح الصفح الجميل، ألا فأعرض عنهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتعل.
إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه هؤلاء ولن تستطيع أن تعتقل ألسنتهم لكنك تستطيع أن تدفن نقدهم وتجنيهم بتجافيك لهم، وإهمالك لشأنهم، وإطراحك لأقوالهم!. {قل موتوا بغيظكم} بل تستطيع أن تصب في أفواههم الخردل بزيادة فضائلك وتربية محاسنك وتقويم إعوجاجك.
إن كنت تريد أن تكون مقبولاً عند الجميع، محبوبا لدى الكل، سليما من العيوب عند العالم، فقد طلبت مستحيلأ وأملت أملاً بعيداً.
لا تنتظر شكرا من احد
خلق الله العباد ليذكروه ورزق الله الخليقة ليشكروه، فعبد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه، لأن طبيعة الجحود والنكران والجفاء وكفران النعم غالبة على النفوس، فلا تصدم إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء إلا لأنك أحسنت إليهم {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} وطالع سجل العالم المشهود، فإذا في فصوله قصة أب ربى ابنه وغذاه وكساه وأطعمه وسقاه، وأدبه، وعلمه، سهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طر شارب هذا الابن وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافا، ازدراء، مقتا، عقوقا صارخا، عذابا وبيلا.
ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنأوا بعوض المثوبة عند من لا تنفذ خزائنه.
إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل، وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود، والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون.
اعمل الخير لوجه الله، لأنك الفائز على كل حال، ثم لا يضر غمط من غمطه، ولا جحود من جحده، واحمد الله لأنك المحسن، وهو المسيء واليد العليا خير من اليد السفلى {انما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولاشكورا} وقد ذهل كثير من العقلاء من جبلة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعي على الصنف عتؤه وتمرده {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} لا تفاجأ إذا أهديت بليدا قلما فكتب به هجاءك، أو منحت جافيا عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جل في علاه، فكيف بها معي ومعك.
الإحسان إلى الغير إنشراح للصدر
الجميل كاسمه، والمعروف كرسمه، والخير كطعمه. أول المستفيدين من إسعاد الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد، يجنون ثمرته عاجلا في نفوسهم، وأخلاقهم، وضمائرهم، فيجدون الانشراح والانبساط، والهدوء والسكينة.
فإذا طاف بك طائف من هم أو ألم بك غم فامنح غيرك معروفا واسد له جميلا تجد الفرج والراحة. اعط محروما، انصر مظلوما، أنقذ مكروبا، أطعم جائعا، عد مريضا، أعن منكوبا، تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك.
إن فعل الخير كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وعوائد الخير النفسية عقاقير مباركة تصرف في صيدلية الذي عمرت قلوبهم بالبر والإحسان.
إن توزيع البسمات المشرقة على فقراء الأخلاق صدقة جارية في عالم القيم (ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) وإن عبوس الوجه إعلان حرب ضروس على الآخرين لا يعلم قيامها إلا علام الغيوب.
شربة ماء من كف بغي لكلب عقور أثمرت دخول جنة عرضها السموات والأرض لأن صاحب الثواب غفور شكور جميل، يحب الجميل، غني حميد.
يا من تهددهم كوابيس الشقاء والفزع والخوف هلموا إلى بستان المعروف وتشاغلوا بالغير، عطاء وضيافة ومواساة وإعانة وخدمة وستجدون السعادة طعما ولونا وذوقا {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى}.
أطرد الفراغ بالعمل
الفارغون في الحياة هم أهل الأراجيف والشائعات لأن أذهانهم موزعة {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} إن أخطر حالات الذهن يوم يفرغ صاحبه من العمل فيبقى كالسيارة المسرعة في انحدار بلا سائق تجنح ذات اليمين وذات الشمال.
يوم تجد في حياتك فراعا فتهيأ حينها للهم والغم والفزع، لأن هذا الفراغ يسحب لك كل ملفات الماضي والحاضر والمستقبل من أدراج الحياة فيجعلك في أمر مريج، ونصيحتي لك ولنفسي أن تقوم بأعمال مثمرة بدلا من هذا الاسترخاء القاتل لأنه وأد خفي، وانتحار بكبسول مسكن.
إن الفراغ أشبه بالتعذيب البطيء الذي يمارس في سجون الصين بوضع السجين تحت أنبوب يقطر كل دقيقة قطرة، وفي فترات انتظار هذه القطرات يصاب السجين بالجنون.
الراحة غفلة، والفراغ لص محترف، وعقلك هو فريسة ممزقة لهذه الحروب الوهمية.
اذا قم الآن صل أو اقرأ، أو سبح، أو طالع، أو اكتب، أو رتب مكتبك، أو أصلح بيتك، أو انفع غيرك حتى تقضي على الفراغ وإني لك من الناصحين.
اذبح الفراغ بسكين العمل، ويضمن لك أطباء العالم 50% من السعادة مقابل هذا الإجراء الطارىء فحسب، انظر إلى الفلاحين والخبازين والبناءين يغردون بالأناشيد كالعصافير في سعادة وراحة وأنت على فراشك تمسح دموعك وتضطرب لأنك ملدوغ.
لا تكن إمعة
لاتتقمص شخصية غيرك ولاتذب في الآخرين. إن هذا هو العذاب الدائم، وكثير هم الذين ينسون أنفسهم وأصواتهم وحركاتهم، وكلامهم، ومواهبهم، وظروفهم، لينصهروا في شخصيات الآخرين، فإذا التكلف والصلف، والاحتراق، والإعدام للكيان وللذات.
من آدم إلى آخر الخليقة لم يتفق اثنان في صورة واحدة، فلماذا يتفقون في المواهب والأخلاق.
أنت شيء أخر لم يسبق لك في التاريخ مثال ولن يأتي مثلك في الدنيا شبيه.
أنت مختلف تماما عن زيد وعمرو فلا تحشر نفسك في سرداب التقليد والمحاكاة والذوبان.
انطلق على هيئتك وسجيتك {قد علم كل أناس مشربهم}، {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} عش كما خلقت لا تغير صوتك، لاتبدل نبرتك، لاتخالف مشيتك، هذب نفسك بالوحي، ولكن لا تلغي وجودك وتقتل استقلالك.
أنت لك طعم خاص ولون خاص ونريدك أنت بلونك هذا وطعمك هذا، لأنك خلقت هكذا وعرفناك هكذا ("لا يكن أحدكم إمعة").
إن الناس في طبائعهم أشبه بعالم الأشجار: حلو وحامض، وطويل وقصير، وهكذا فليكونوا. فإن كنت كالموز فلا تتحول إلى سفرجل، لأن جمالك وقيمتك أن تكون موزاً، إن اختلاف ألواننا وألسنتنا ومواهبنا وقدراتنا آية من آيات الباري فلا تجحد آياته.
قضاء وقدر
{ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها}، جف القلم، رفعت الصحف، قضي الأمر، كتبت المقادير، {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}، ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
إن هذه العقيدة إذا رسخت في نفسك وقرت في ضميرك صارت البلية عطية، والمحنة منحة، وكل الوقائع جوائز وأوسمة ("ومن يرد الله به خيراً يصب منه)" فلا يصيبك قلق من مرض أو موت ابن، أو خسارة مالية، أو احتراق بيت، فإن الباري قد قدر والقضاء قد حل، والاختيار هكذا، والخيرة لله، والأجر حصل، والذنب كفر.
هنيئاً لأهل المصائب صبرهم ورضاهم عن الأخذ، المعطي، القابض، الباسط، {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}
ولن تهدأ أعصابك وتسكن بلابل نفسك، وتذهب وساوس صدرك حتى تؤمن بالقضاء والقدر، جف القلم بما أنت مولاه فلا تذهب نفسك حسرات، لا تظن أنه كان بوسعك إيقاف الجدار أن ينهار، وحبس الماء أن ينسكب، ومنع الريح أن تهب، وحفظ الزجاج أن ينكسر، هذا ليس بصحيح على رغمي ورغمك، وسوف يقع المقدور، وينفذ القضاء، ويحل المتكوب {فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده}.
استسلم للقدر قبل أن تطوق بجيش السخط والتذمر والعويل، اعترف بالقضاء قبل أن يدهمك سيل الندم، اذا فليهدا بالك إذا فعلت الأسباب، وبذلت الحيل، ثم وقع ما كنت تحذر، فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع، ولا تقل ("لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل "). {ان مع العسر يسرا}
يا إنسان بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ري، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، سوف يصل الغائب، ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام {فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده} بشر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال، ومسارب الأودية، بشر المهموم بفرج مفاجىء يصل في سرعة الضوء، ولمح البصر، بشر المنكوب بلطف خفي وكف حانية وادعة.
إذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد، فاعلم أن وراءها رياضا خضراء وارفة الظلال. إذا رأيت الحبل يشتد ويشتد، فاعلم أنه سوف ينقطع.
مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمن، ومع الفزع سكينة، النار لا تحرق إبراهيم التوحيد، لأن الرعاية الربانية فتحت نافذة {بردا وسلما} البحر لا يغرق كليم الرحمن، لأن الصوت القوي الصادق نطق بـ {كلا إن معي ربي سيهدين} المعصوم في الغار بشر صاحبه بأنه وحده معنا فنزل الأمن والفتح والسكينة.
إن عبيد ساعاتهم الراهنة وأرقاء ظروفهم القاتمة لا يرون إلا النكد والضيق والتعاسة، لأنهم لا ينظرون إلأ إلى جدار الغرفة وباب الدار فحسب. ألا فليمدوا أبصارهم وراء الحجب وليطلقوا أعنة أفكارهم إلى ما وراء الأسوار.
اذا فلا تضق ذرعاً فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قلب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ، وإن مع العسر يسراً.
اصنع من الليمون شرابا حلوا
الذكي الأريب يحول الخسائر إلى أرباح، والجاهل الرعديد يجعل المصيبة مصيبتين.‍‍‍ ‍
طرد الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة فأقام في المدينة، دولة ملأت سمع التاريخ وبصره.
سجن أحمد بن حنبل وجلد، فصار إمام السنة، وحبس ابن تيمية فأخرج من حبسه علما جما، ووضع السرخسي في قعر بئر معطلة فأخرج عشرين مجلدا في الفقه، وأقعد ابن الأثير فصنف جامع الأصول والنهاية من أشهر وأنفع كتب الحديث، ونفي ابن الجوزي من بغداد، فجود القراءات السبع، وأصابت حمى الموت مالك بن الريب فأرسل للعالمين قصيدته الرائعة الذائعة التي تعدل دواوين شعراء الدولة العباسية، ومات أبناء أبي ذوئيب الهذلي فرثاهم بإلياذة أنصت لها الدهر، وذهل منها الجمهور، وصفق لها التاريخ.
إذا داهمتك داهية فانظر في الجانب المشرق منها، وإذا ناولك أحدهم كوب ليمون فأضف إليه حفنة من سكر، وإذا أهدى لك ثعبانا فخذ جلده الثمين واترك باقيه، وإذا لدغتك عقرب فاعلم أنه مصل واقي ومناعة حصينة ضد سم الحيات. تكيف في ظرفك القاسي، لتخرج لنا منه زهرا ووردا وياسمينا {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} سجنت فرنسا قبل ثورتها العارمة شاعرين مجيدين متفائلا ومتشائما فأخرجا رأسيهما من نافذة السجن. فأما المتفائل فنظر نظرة في النجوم فضحك. وأما المتشائم فنظر إلى الطين في الشارع المجاور فبكى. انظر إلى الوجه الاخر للمأساة، لأن الشر المحض ليس موجودا بل هناك خير ومكسب وفتح واجر.
{أمن يجيب المضطر إذا دعاه} من الذي يفزع إليه المكروب، ويستغيث به المنكوب وتصمد إليه الكائنات، وتسأله المخلوقات، وتلهج بذكره الألسن وتالهه القلوب إنه الله لا إله الا هو.
وحق علي وعليك أن ندعوه في الشدة والرخاء والسراء والضراء ونفزع اليه في الملمات ونتوسل اليه في الكربات وننطرح على عتبات بابه سائلين باكين ضارعين منيبين حينها يأتي مدده ويصل عونه ويسرع فرجه ويحل فتحه {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} فينجي الغريق ويرد الغائب ويعافي المبتلي وينصر المظلوم ويهدي الضال ويشفي المريض ويفرج عن المكروب {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} ولن أسرد عليك هنا أدعية ازاحة الهم والغم والحزن والكرب، ولكن احيلك إلى كتب السنة لتتعلم شريف الخطاب معه فتناجيه وتناديه وتدعوه وترجوه، فإن وجدته وجدت كل شيء، وان فقدت الإيمان به فقدت كل شيء، إن دعاءك ربك عبادة أخرى، وطاعة عظمى ثانيه فوق حصول المطلوب، وإن عبدا يجيد فن الدعاء حري أن لايهتم ولايغتم ولايقلق كل الحبال تتصرم الا حبله كل الأبواب توصد إلا بابه وهوقريب سميع مجيب، يجيب المضطر إذا دعاه يأمرك وأنت الفقير الضعيف المحتاج، وهو الغني القوي الواحد الماجد- بأن تدعوه {ادعوني أستجب لكم} إذا نزلت بك النوازل، وألمت بك الخطوب فالهج بذكره، واهتف باسمه، واطلب مدده واسأله فتحه ونصره، مرغ الجبين لتقديس اسمه، لتحصل على تاج الحرية، وارغم الأنف في طين عبوديته لتحوز وسام النجاة، مد يديك، ارفع كفيك، أطلق لسانك، أكثر من طلبه، بالغ في سؤاله، ألح عليه، إلزم بابه، انتظر لطفه، ترقب فتحه، أش باسمه، أحسن ظنك فيه، انقطع إليه، تبتل إليه تبتيلأ حتى تسعد وتفلح.
وليسعك بيتك
العزلة الشرعية السنية: بعدك عن الشر وأهله، والفارغين واللاهين والفوضويين، فيجتمع عليك شملك، ويهدأ بالك، ويرتاح خاطرك، ويجود ذهنك بدرر الحكم، ويسرح طرفك في بستان ا لمعارف.
إن العزلة عن كل ما يشغل عن الخير والطاعة دواء عزيز جربه أطباء القلوب فنجح أيما نجاح، وأنا أدلك عليه، في العزلة عن الشر واللغو وعن الدهماء تلقيح للفكر، وإقامة لناموس الخشية، واحتفال بمولد الإنابة والتذكر، وإنما كان الاجتماع المحمود والاختلاط الممدوح في الصلوات والجمع ومجالس العلم والتعاون على الخير، أما مجالس البطالة والعطالة فحذار حذار، اهرب بجلدك، إبك على خطيئتك، وأمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، الاختلاط الهمجي حرب شعواء على النفس، وتهديد خطير لدنيا الأمن والاستقرار في نفسك، لأنك تجالس أساطين الشائعات، وأبطال الأراجيف، وأساتذة التبشير بالفتن والكوارث والمحن، حتى تموت كل يوم سبع مرات قبل أن يصلك الموت {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} اذا فرجائي الوحيد إقبالك على شأنك والانزواء في غرفتك إلا من قول خير أو فعل خير، حينها تجد قلبك عاد إليك، فسلم وقتك من الضياع، وعمرك من الإهدار، ولسانك من الغيبة، وقلبك من القلق، وأذنك من الخنا ونفسك من سوء الظن، ومن جرب عرف، ومن أركب نفسه مطايا الأوهام، واسترسل مع العوام فقل عليه السلام.
العوض من الله
لا يسلبك الله شيئا إلأ عوضك خيرا منه، إذا صبرت واحتسبت ("من أخذت حبيبتيه فصبرعوضته منهما الجنة") يعني عينيه (من سلبت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب عوضته من الجن) من فقد ابنه وصبر بنى له بيت الحمد في الخلد، وقس على هذا المنوال فإن هذا مجرد مثال.
فلا تأسف على مصيبة فان الذي قدرها عنده جنة وثواب وعوض وأجر عظيم.
إن أولياء الله المصابين المبتلين ينوه بهم في الفردوس {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وحق علينا أن ننظر في عوض المصيبة وفي ثوابها وفي خلفها الخير {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} هنيئا للمصابين، بشرى للمنكوبين.
إن عمر الدنيا قصير وكنزها حقير، والآخرة خير وأبقى فمن أصيب هنا كوفيء هناك، ومن تعب هنا ارتاح هناك، اما المتعلقون بالدنيا العاشقون لها الراكنون إليها، فأشد ما على قلوبهم فوت حظوطهم منها وتنغيص راحتهم فيها لأنهم يريدونها وحدها فلذلك تعظم عليهم المصائب وتكبر عندهم النكبات لأنهم ينظرون تحت أقدامهم فلا يرون إلا الدنيا الفانية الزهيدة الرخيصة.
أيها المصا بون ما فات شىء وأنتم الرابحون، فقد بعث لكم برسالة بين أسطرها لطف وعطف وثواب وحسن اختيار. إن على المصاب الذي ضرب عليه سرادق المصيبة أن ينظر ليرى أن النتيجة {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وضاهره من قبله العذاب}، وما عند الله خير وأبقى وأهنأ وأمرأ وأجل وأعلى.
وقفه
لا تحزن: لأنك جربت الحزن بالأمس فما نفعك شيئا، رسب ابنك فحزنت، فهل نجح؟! مات والدك فحزنت فهل عاد حيا؟! خسرت تجارتك فحزنت، فهل عادت الخسائر أرباحا؟!، لا تحزن: لأنك حزنت من المصيبة فصارت مصائب، وحزنت من الفقر فازددت نكدا، وحزنت من كلام أعدائك فأعنتهم عليك، وحزنت من توقع مكروه فما وقع.
لاتحزن: فإنه لن ينفعك مع الحزن دار واسعة، ولا زوجة حسناء، ولا مال وفير، ولا منصب سام، ولا أولاد نجباء.
لا تحزن: لأن الحزن يريك الماء الزلال علقمة، والوردة حنظلة، والحديقة صحراء قاحلة، والحياة سجنا لا يطاق.
لا تحزن: وأنت عندك عينان وأذنان وشفتان ويدان ورجلان ولسان، وجنان وأمن وأمان وعافية في الأبدان: {فبأى ءالآء ربكما تكذبان}.
لا تحزن: ولك دين تعتقده، وبيت تسكنه، وخبز تأكله، وماء تشربه، وثوب تلبسه، وزوجة تأوي إليها، فلماذا تحزن؟!
نعمة الألم
الألم ليس مذموما دائما ولا مكروه أبدا، فقد يكون خيرا للعبد أن يتألم.
إن الدعاء الحار يأتي مع الألم، والتسبيح الصادق يصاحب الألم، وتألم الطالب زمن التحصيل وحمله لأعباء الطلب يثمر عالما جهبذا، لأنه احترق في البداية فأشرق في النهاية. وتألم الشاعر ومعاناته لما يقول تنتج أدبا مؤثرا خلابا، لأنه انقدح مع الألم من القلب والعصب والدم فهز المشاعر وحرك الأفئدة. ومعاناة الكاتب تخرج نتاجا حيا جذابا يمور بالعبر والصور والذكريات.
إن الطالب الذي عاش حياة الدعة والراحة ولم تلذعه الأزمات، ولم تكوه الملمات، إن هذا الطالب يبقى كسولا مترهلا فاترا.
وإن الشاعر الذي ما عرف الألم ولا ذاق المر ولا تجرع الغصص، تبقى قصائده ركاما من رخيص الحديث، وكتلا من زبد القول، لأن قصائده خرجت من لسانه ولم تخرج من وجدانه، وتلفض بها فهمه ولم يعشها قلبه وجوانحه.
وأسمى من هذه الأمثلة وأرفع: حياة المؤمنين الأولين الذين عاشوا فجر الرسالة ومولد الملة، وبداية البعث، فإنهم أعظم إيمانا، وأبر قلوبا، وأصدق لهجة، وأعمق علما، لأنهم عاشوا الألم والمعاناة: ألم الجوع والفقر والتشريد، والأذى والطرد والإبعاد، وفراق المألوفات، وهجر المرغوبات، وألم الجراح، والقتل والتعذيب، فكانوا بحق الصفوة الصافية، والثقة المجتباة، آيات في الطهر، وأعلاما في النبل، ورموزا في التضحية، {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} وفي عالم الدنيا أناس قدموا أروع نتاجهم، لأنهم تألموا،
إذن فلا تجزع من الألم ولا تخف من المعاناة، فربما كانت قوة لك ومتاعا إلى حين، فإنك إن تعش مشبوب الفؤاد محروق الجوى ملذوع النفس، أرق وأصفى من أن تعيش بارد المشاعر فاتر الهمة خامد النفس {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}.
إن الوعظ المحترق تصل كلماته إلى شغاف القلوب، وتغوص في أعماق الروح لأنه يعيش الألم والمعاناة {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا}.
لقد رأيت دواوين لشعراء ولكنها باردة لا حياة فيها ولا روح لأنهم قالوها بلا عناء، ونظموها في رخاء فجاءت قطعا من الثلج وكتلا من الطين.
ورأيت مصنفات في الوعظ لا تهز في السامع شعرة، ولا تحرك في المنصت ذرة، لأنهم يقولونها بلا حرقة ولا لوعة، ولا ألم ولا معاناة، {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}.
فإذا أردت أن تؤثر بكلامك أو بشعرك، فاحترق به أنت قبل، وتأثر به وذقه وتفاعل معه، وسوف ترى أنك تؤثر في الناس، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}.
نعمة المعرفة
{وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} الجهل موت للضمير وذبح للحياة، ومحق للعمر {إني أعظك أن تكون من الجاهلين}.
والعلم نور البصيرة، وحياة للروح، ووقود للطبع، {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منه} إن السرور والانشراح يأتي مع العلم، لأن العلم عثور على الغامض، وحصول على الضالة، واكتشاف للمستور، والنفس مولعة بمعرفة الجديد والاطلاع على المستطرف.
أما الجهل فهو ملل وحزن، لأنه حياة لا جديد فيها ولا طريف، و لا مستعذب، أمس كاليوم، واليوم كالغد.
فإن كنت تريد السعادة فاطلب العلم وابحث عن المعرفة وحصل الفوائد، لتذهب عنك الغموم والهموم والأحزان، {وقل ربي زدني علما}، {اقرأ باسم ربك الذى خلق}.(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين). ولا يفخر أحد بماله أو بجاهه، وهو جاهل صفر من المعرفة، فإن حياته ليست تامة وعمره ليس كاملا: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى}.
وما أثلج الصدر ببردها، وما أرحب الخاطر بنزولها، {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواهم}.
فن السرور
من أعظم النعم سرور القلب، واستقراره وهدوءه، فإن في سروره ثبات الذهن وجودة الإنتاج وابتهاج النفس، وقالوا. إن السرور فن يدرس، فمن عرف كيف يجلبه ويحصل عليه، ويحظى به استفاد من مباهج الحياة ومسار العيش، والنعم التي من بين يديه ومن خلفه. والأصل الأصيل في طلب السرور قوة الاحتمال، فلا يهتز من الزوابع ولا يتحرك للحوادث، ولا ينزعج للتوافه. وبحسب قوة القلب وصفائه، تشرق النفس.
إن خور الطبيعة وضعف المقاومة وجزع النفس، رواحل للهموم والغموم والأحزان، فمن عود نفسه التصبر والتجلد هانت عليه المزعجات، وخفت عليه الأزمات.
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا *** فأهون ما تمر به الوحول
ومن أعداء السرور ضيق الأفق، وضحالة النظرة، والاهتمام بالنفس فحسب، ونسيان العالم وما فيه، والله قد وصف أعداءه بأنهم (أهمتهم أنفسهم)، فكأن هؤلاء القاصرين يرون الكون في داخلهم، فلا يفكرون في غيرهم، ولا يعيشون لسواهم، ولا يهتمون للآخرين. إن على وعليك أن نتشاغل عن أنفسنا أحيانا، ونبتعد عن ذواتنا أزمانا لننسى جراحنا وغمومنا وأحزاننا، فنكسب أمرين: إسعاد أنفسنا، وإسعاد الآخرين.
من الأصول في فن السرور: أن تلجم تفكيرك وتعصمه، فلا يتفلت ولا يهرب ولا يطيش، فإنك إن تركت تفكيرك وشأنه جمح وطفح، وأعاد عليك ملف الأحزان وقرأ عليك كتاب المآسي منذ ولدتك أمك. إن التفكير إذا شرد أعاد لك الماضي الجريح والمستقبل المخيف، فزلزل أركانك وهز كيانك وأحرق مشاعرك، فاخطمه بخطام التوجه الجاد المركز على العمل المثمر المفيد، {وتوكل على الحى الذي لا يموت}.
ومن الأصول أيضا في دراسة السرور: أن تعطي الحياة قيمتها، وأن تنزلها منزلتها، فهي لهو، ولا تستحق منك إلا الإعراض والصدود، لأنها أم الهجر ومرضعة الفجائع، وجالبة الكوارث، فمن هذه صفتها كيف يهتم بها، ويحزن على ما فات منها. صفوها كدر، وبرقها خلب، ومواعيدها سراب بقيعة، مولودها مفقود، وسيدها محسود، ومنعمها مهدد، وعاشقها مقتول بسيف غدرها.
وفي الحديث: (إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم) وفي فن الآداب: وإنما السرور باصطناعه واجتلاب بسمته، واقتناص أسبابه، وتكلف بوادره، حتى يكون طبعا.
إن الحياة الدنيا لا تستحق منا إعادتها العبوس والتذمر والتبرم.
والحقيقة التي لاريب فيها أنك لا تستطيع أن تنزع من حياتك كل آثار الحزن، لأن الحياة خلقت هكذا {لقد خلقنا الإنسان في كبد}.
الكتاب في كلمات:
· ما مضى فات، وما ذهب مات، فلا تفكر فيما مضى، فقد ذهب وانقضى
· اترك المستقبل حتى يأتي، ولا تهتم بالغد لأنك إذا أصلحت يومك صلح غدك
· عليك بالمشي والرياضة، واجتنب الكسل والخمول، واهجر الفراغ والبطالة
· جدد حياتك، ونوع أساليب معيشتك، وغير من الروتين الذي تعيشه
· اهجر المنبهات والإكثار من الشاي والقهوة، واحذر التدخين
· كرر(لاحول ولا قوة إلا بالله) فإنها تشرح البال، وتصلح الحال، وتحمل بها الأثقال، وترضي ذا الجلال
· أكثر من الإستغفار، فمعه الرزق والفرج والذرية والعلم النافع والتيسير وحط الخطايا
· البلاء يقرب بينك وبين الله ويعلمك الدعاء ويذهب عنك الكبر والعجب والفخر
· لا تجالس البغضاء والثقلاء والحسدة فإنهم حمى الروح، وهم حملة الأحزان
· إياك والذنوب، فإنها مصدر الهموم والأحزان وهي سبب النكبات وباب المصائب والأزمات
· لا تكترث من القول القبيح والكلام السيء الذي يقال فيك فإنه يؤذي قائله ولا يؤذيك
· سب أعدائك لك وشتم حسادك يساوي قيمتك لأنك أصبحت شيئا مذكوراً وشخصاً مهماً
· اعلم أن من إغتابك فقد أهدى لك حسناته وحط من سيئاتك وجعلك مشهوراً، وهذه نعمة
· ابسط وجهك للناس تكسب ودهم، وألن لهم الكلام يحبوك، وتواضع لهم يجلوك
· إبدأ الناس بالسلام وحيهم بالبسمة وأعرهم الإهتمام لتكن محبباً إلى قلوبهم قريباً منهم
· لا تضيع عمرك في التنقل بين التخصصات والوظائف والمهن، فإن معنى هذا أنك لن تنجح في شيء
· كن واسع الأفق والتمس الأعذار لمن أساء إليك لتعش في سكينة وهدوء، وإياك ومحاولة الإنتقام
· لا تفرح أعدائك بغضبك وحزنك فإن هذا ما يريدون، فلا تحقق أمانيهم الغالية في تعكير حياتك
· اهجر العشق والغرام والحب المحرم فإنه عذاب للروح ومرض للقلب، وافزع إلى الله وإلى ذكره وطاعته
· أنت الذي تلون حياتك بنظرك إليها، فحياتك من صنع أفكارك، فلا تضع نظارة سوداء على عينيك
· إذا وقعت في أزمة فتذكر كم أزمة مرت بك ونجاك الله منها، حينها تعلم أن من عافاك في الأولى سيعافيك في الثانية.